حسن حنفي

69

من العقيدة إلى الثورة

بل إن الامر قد يصل إلى جعل المعبود مطيعا لفعل الانسان بما انه تأليه له ومتعلق عليه . فالعقل الانساني هو الّذي يحدد وصفه في العلم الإلهي « 121 » . وقد يبلغ الحرص على حرية الافعال درجة انكار القدرة الإلهية على الاطلاق ووصفه بعدم القدرة بل وبالعجز ، ولا يقدر على مقدورات العباد لا الانسان ولا الحيوان . ويتم ذلك باسم الدفاع عن قوانين الطبيعة واستقلالها وسيطرتها على مظاهر الطبيعة وبالتالي فتح الطريق إلى نشأة العلم ، وكذلك دفاعا عن حرية الانسان وأفعاله في الطبيعة وثقته بالنفس وتأكيدا للعلل والأسباب ولقوانين الطبيعة في ارتباط العلة والمعلول « 122 » . وكيف يكون الله مسؤولا عن الشرور والقبائح ومصدرا للكفر والفسوق والعصيان ؟ فلا يريد السفه الا سفيها سواء لنفسه أم لغيره . فالله قد يريد ما لا يكون وقد يكون ما لا يريد . وهذا لا يعنى كونه مقهورا على مراده أو أنه يلحقه الضعف والوهن والنقص أو أنه مطيع لعباده بل يعنى أن

--> ( 121 ) سمى أبو علي الجبائي الله مطيعا لعبده إذا فعل مراد العبد ، الفرق ص 183 . ( 122 ) عند البغداديين من المعتزلة لا يوصف الله بالقدرة على أن يخلق ايمانا لعباده يكونون به مؤمنين وكفرا لهم يكونون به كافرين وعصيانا لهم يكونون به عاصين ، وكسبا يكونون به مكتسبين ، وجوزوا له القدرة أن يخلق حركة يكونون بها متحركين ، وإرادة يكونون بها مريدين ، وشهوة يكونون بها مشتهين . والجبائي مع كثير من المعتزلة كان لا يصف الله بالقدرة على أن يخلق ايمانا يكونون به مؤمنين ، وكفرا يكونون به كافرين ، وعدلا يكونون به عادلين ، وكلاما يكونون به متكلمين لان معنى متكلم أنه فعل الكلام عنده ، وكذلك في العدل والجور . ويحيل ذلك في كل شيء يوصف به الانسان . ومعنى ذلك أنه فاعل مما اشتق له الاسم ، مقالات ج 2 ، ص 255 ، ص 206 - 207 ، وعند المعتزلة البصرية الله لا يقدر على مقدورات عباده ولا على مقدورات سائر الحيوانات ، الفرق ص 334 ، وعند المعتزلة أيضا أن الله لا يقدر على أن يهديه ولا على أن يضله ، الفصل ج 4 ، ص 42 ، وكان عباد بن سليمان تلميذ الفوطي يقول إن الله لا يقدر على أن يخلق غير ما خلق وأنه لم يخلق المجاعة ولا القحط . وان الله لم يأمر الكفار قط بأن يؤمنوا في حال كفرهم ولا نهى المؤمنين قط في حال ايمانهم لأنه لا يقدر أحد قط على الجمع بين الفعلين المتضادين .